أبحث داخل الموقع

الاستثمارات الأمريكية... صدق النوايا

صحافة سودانية

بقلم: د. سامية علي
اللافت للنظر إن العلاقات الأمريكية السودانية بدأت تقترب نحو التحسن ولا أقول نحو التطبيع لان مسالة التطبيع هذه تربطها الولايات المتحدة الأمريكية دائما بإيفاء السودان ببعض الشروط التي تضعها الإدارة الأمريكية ضابطا لتطبيع علاقاتها مع السودان منذ ان تكشفت لها حقيقة إسلامية الحكم في السودان فبدأت أمريكا تضع شرطا تلو الآخر كلما او في السودان بالشروط السابقة أولا بتفكيك الحكم العسكري وتحويله الي الحكم المدني ثم إتاحة الفرصة الي الأحزاب الأخرى في المشاركة في الحكومة عبر ممارسة ديمقراطية تحتكم الي صناديق الانتخابات.. ثم ..ثم..
استمرت الشروط الأمريكية الي ان تمت الموافقة علي توقيع اتفاقية السلام الشامل نيفاشا مع الحركة الشعبية وما تبعها من استفتاء ثم الانفصال والاعتراف بدولة الجنوب وفي جانب النزاع بإقليم دارفور تمت العديد من اتفاقيات السلام مع الحركات المسلحة والاهتمام بصورة اكبر بتنمية دارفور وما زالت الإدارة الأمريكية تضع شروطا للتطبيع مع السودان كإنهاء النزاع في جنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور وتجاوز القضايا العالقة بين السودان ودولة الجنوب.
ولكن اللافت للنظر ان علاقة واشنطن مع الخرطوم بدأت تتجه نحو المرونة في جانب فك الحصار الاقتصادي ورفع العقوبات الاقتصادية التي ضربتها الإدارة الأمريكية علي السودان منذ تسعينيات القرن الماضي ظهر ذلك في السماح لبعض الشركات الأمريكية الاستثمار في السودان بينما في السابق تعرضت شركات أمريكية وأخري أوربية لعقوبات بسبب أقدامها علي الاستثمار في السودان وقوبلت بعضها بمقاطعة من بعض جماعات الضغط الرافضة لإقامة علاقات جيدة مع السودان باعتبار أنها دولة ترعي الإرعاب أو كما كانت تفسر واشنطن تلك الخطوات التي تنفذها علي الخرطوم .
وحينما طرحت الإدارة الأمريكية اتجاهاً نحو تحسن علاقاتها مع السودان اقتصاديا وضع المراقبون علامات استفهام وتعجب عديدة أمام خطوتها تلك هل حقا تريد واشنطن رفع عقوباتها الاقتصادية عن الخرطوم وماذا وراء الخطوة أم  إن الأمر لا يعدو كونه احد التكتيكات التي تلعبها أمريكا تجاه السودان في إطار سياسة الجزرة والعصا التي ما فتئت تستخدمها في التعاطي مع الشأن السوداني؟!
ولكن الإدارة الأمريكية قطعت تلك التكهنات واتبعت القول بالفعل وربما تكون خطوات استباقية لرفع العقوبات الاقتصادية عن السودان حينما سمحت الولايات المتحدة الأمريكية لعدد من الشركات الأمريكية الاستثمار بالسودان خاصة في مجال صناعة السكر وما حديث وزير الاستثمار إلا دليلا علي فك الحصار حينما أعلن ان شركة الاوفاك التابعة لوزارة الخزانة الأمريكية ستعمل علي الاستثمار في سكر سنار ومن ثم عملت شركات أمريكية بسكر النيل الأبيض في وقت سابق فيما يبدو ان نجاحها في هذا المجال شجع الأخريات العمل في الاستثمار بالسودان وتوجد دراسات أخري بحسب التسريبات لإنشاء مصانع سكر أخري أو تأهيل مصانع توقفت عن العمل بجانب العمل في مجالات الزراعة وبعض الصناعات.
قبول السودان ان تدخل الشركات الأمريكية في استثمارات بمصانعه سيفرغ الحصار الأمريكي علي البلاد من مضمونه فحينما تأتي تلك الشركات باستثناءات من الخزانة الأمريكية التي تشرف علي هذا الأمر سيظفر السودان بعدد من الشركات التي ترغب في الاستثمار في كل المجالات وسيفتح الباب للشركات الأجنبية الأخرى وخاصة الأوربية التي تتخوف من عقوبة المقاطعة حال إقدامها علي مثل هذه الخطوة..
السماح للشركات الأمريكية الاستثمار في السودان ربما تكون نظرة عميقة من قبل واشنطن لمستقبل علاقتها مع الخرطوم من منظور المصلحة الذاتية باعتبار ان السودان يمتلك من المقومات والإمكانيات والموارد ما تؤهله لان يكون منبع الغذاء للعالم في ظل شح موارد الغذاء التي تواجه كثيراً من دول العالم فالسودان يمتلك المياه والأراضي الزراعية الخصبة والبترول والأيدي العاملة فقط تنقصه العملات الصعبة وربما سارعت أمريكا لاستغلال هذه الموارد عبر شركاتها خاصة في إطار تولي جون كيري لوزارة الخارجية الذي ينظر له السودان ايجابيا ويتوقع في ظل توليه هذا الموقع انفراجاً في العلاقات مع أمريكا وان كان البعض يري ان مسألة التطبيع أو رفع الحصار بشكل نهائي غير وارد في القريب في ظل وجود سياسة الكونغرس الأمريكي العدائية تجاه السودان هذا بجانب ان أمريكا تنظر لعلاقتها مع الدول من منظور المصالح الذاتية وان دولة الجنوب لم تحقق لها مصالح ملموسة حتي الآن باعتبارها ما زالت دولة وليدة تلاحقها الكثير من المشكلات والأزمات الذاتية ومشكلاتها مع السودان التي لم تستطع حلها لذلك ربما بدأت واشنطن تعدل تعاطيها مع الشأن السوداني م منظور مصالحها الاقتصادية .
فيما يبدو ان استثمار الشركات الأمريكية لن يتوقف فقط علي العمل في مجال صناعات السكر والاستثمار الزراعي بل سيشمل مجال التعليم والمجالات الطبية فبعض التسريبات الصحفية أشارت الي ان أمريكا تعتزم إجراء تغييرات علي نظام العقوبات المفروضة علي السودان وستسمح بالتعامل المباشر بين الجامعات والمعاهد بين البلدين والسماح للشركات الأمريكية العمل في المجال الطبي والاستثمار فيه وهذه الخطوة التي أعلنها القائم بالأعمال الأمريكي بالسودان تعد ايجابية وانفراجا حقيقياً ان صدق النوايا في العلاقات الأمريكية السودانية علي الصعيد الاقتصادي علي اقل تقدير.
وتأتي خطوة الانفراج هذه متزامنة مع اتجاه الحكومة نحو التركيز علي الزراعة والاهتمام بالمشروعات الضخمة كمشروع الجزيرة الذي تعهدت قيادات الحكومة بإحداث نقلة كبيرة فيه ومن قبل تم تأهيل سد الروصيرص الذي سيروي ألف الأفدنة من الأراضي الزراعية بجانب اعتزام الدولة تأهيل سدود أخري والاتجاه الي إدخال آبار نفطية الي دائرة الإنتاج كل هذا يغري ويشجع الشركات الأجنبية بما فيها الأمريكية للاستثمار في السودان فقط ينبغي ان نستغل هذا الإقبال في استزراع كل الأراضي الزراعية التي تنادي لمن يستغلها ونفض غبار الإهمال عن مشاريعنا الزراعية التي آن الأوان ان تعمل بكل طاقتها طالما أقبلت الشركات الأجنبية علي السودان بتمويلها حتي نسد فجوة الأسواق العالمية بمنتجاتنا حينما نتجه بإنتاجنا الزراعي الي صناعة تحويلية ان صدقت نوايا أمريكا!!
نقلا عن صحيفة الرأي العام 7/2/2013