أبحث داخل الموقع

لماذا احتجت الخرطوم ضد بروكسيل بشأن الجنائية ؟

تحليل سياسي

خاص/ سودان سفاري
تحليل رئيسي
حين استدعت الخارجية السودانية منتصف الأسبوع الماضي رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي بالخرطوم وأبلغته - رسمياً- احتجاجها على تصريحات ممثلة السياسة الخارجية للاتحاد الأوربي (كاثرين إشتون) و التى كانت قد أعربت فى تلك التصريحات عن قلق الاتحاد جراء استقبال كينيا للرئيس السوداني ، لم يكن الأمر يتصل فقط بمنطق قانوني واضح، ذلك ان السودان – ومهما ألصقت به من تهم بشأن جرائم حرب مُدعَي بها فى إقليمه الغربي بدارفور – ليس جزءاً من نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية ،ولم يصادق على هذا النظام ومن ثم ليس لديه اى التزام قانوني دولي بالخضوع لسلطان المحكمة ، و اذا قيل ان اختصاص المحكمة عقده مجلس الأمن فى مواجهة السودان باعتبار ان نظام روما يمنح مجلس الأمن حق عقد الاختصاص تجاه أى دولة حتى و لو لم تكن عضواً فى نظام روما ، فان الرد على هذا الادعاء بسيط ،وهو ان هناك (استحالة قانونية) – وفقاً لقواعد القانون الدولي – حيال نزع الحصانة الإجرائية و الموضوعية لرؤساء الدول هكذا بغير قانون وطني مستمد من نظام روما.
و على هذا الأساس فان الخدعة القانونية الكبيرة فى هذا الصدد تتمثل فى اعتقاد خاطئ سائد وسط الدول من أن أى دولة عضو فى نظام روما تستطيع – ببساطة شديدة – اعتقال الرئيس البشير استناداً على مذكرة التوقيف الصادرة بحقه دون ان تراعي القوانين الدولية المتعلقة بالمعاهدات الثنائية وأبرزها معاهدة فيينا 1961 الخاصة بحصانات رؤساء الدول و رؤساء البعثات الدبلوماسية و الممثلين الدبلوماسيين الدوليين . بمعني آخر فانه ليس فى إمكان اى دولة تحترم القانون الدولي القبض على رئيس دول متجاوزة التزاماتها التعاقدية و التى ينص ميثاق روما نفسه على ضرورة مراعاتها حتى لا يتسبب ذلك فى انهيار المعاهدات الدولية.
فإذا تجرأت أى دولة على هذا المسلك فإنها فى الواقع تؤسس لسابقة قضائية دولية تصبح عرفاً ومن ثم تبدأ كل المعاهدات والاتفاقيات الدولية المتعارف عليها فى التلاشي والانهيار وتتحول العلاقات الدولية الى غابة مظلمة. من جانب ثانٍ ، فان أحداً ليس له الحق فى انتقاد مسلك أى دولة اذا لم تستجب لمذكرة التوقيف لأنه فى هذه الحالة يصبح تدخلاً فى شأن داخلي لتلك الدولة.
ومن جانب ثالث فان انتقاد الدولة التى رفضت تنفيذ الأمر معناه بالضرورة انتقاد الدولة التى يمثلها الرئيس الزائر ،وهنا يصبح من حق السودان الاحتجاج لأن الاتحاد الأوربي بهذا الموقف يوجِّه فى الواقع (إساءة قانونية) للسودان حيث ان الأخير غير معني بالمحكمة.
وهكذا فان الاحتجاج السوداني ضد الاتحاد الأوربي يسنده القانون الدولي ، هذا بالإضافة الى ان الاتحاد الأوربي يعلم بآلاف جرائم الحرب التى ارتكبتها دولاً معروفة ولم يحرك ساكناً ، مما يجعل موقفه متناقضاً و مصادماً للمبادئ القانونية فى عدم تجزئة المواقف والكيل بمكيالين . ولعل الاتحاد الأوربي استشعر مرارة خاصة حين بدأ يري الدول ا لافريقية تنقض غزل المحكمة التى سعي لإنشائها ليجعل منها محكمة خاصة بالأفارقة وحدهم و دون سواهم !