أبحث داخل الموقع

الحلو مُر الأمريكي

بقلم - فيصل علي سليمان الدابي :
من الملاحظ أن الخليجيين بصفة عامة يعتمدون الفيمتو كمشروب رسمي في موائدهم الرمضانية ، أما السودانيون فيعتمدون الحلو مر كمشروب حصري وكملك للمائدة السودانية في رمضان وهم يستمتعون بحلاوته المرة أو مرارته الحلوة أشد الاستمتاع وهذا ما أثار دهشة إحدى اللبنانيات فصاحت عندما بلغها خبر الحلو مر السوداني "حيرتونا يا سودانيين هو حلو ولا مر".

وبعيداً عن الفيمتو الخليجي والحلو مر السوداني المتخصصين في تلطيف الحرارة الرمضانية في لحظة الإفطار، يتسيد الحلو مر الأمريكي شاشات الأخبار العالمية في رمضان فتطغى حلاوته المريرة على سائر الأخبار الحلوة المتعلقة بالفنون الجميلة والاكتشافات العلاجية المفيدة وعلى كافة الأخبار المرة المتعلقة بالفيضانات التي ضربت باكستان ، وكشمير ، وموريتانيا والسودان.
ولعل المواطن العربي العادي يشعر بأكبر قدر من الحيرة وتتضارب مشاعره بشدة إزاء الحلو مر الأمريكي ، فأمريكا هي تجسيد للحلاوة العلمية والفنية والسياسية فعلماؤها هم الذين يحصدون جوائز نوبل في الطب

والعلوم والفيزياء وأفلامها هي التي تحصد الجوائز العالمية في المهرجانات السينمائية وديمقراطيتها هي التي تحلم معظم شعوب العالم بتحقيقها ولكن أمريكا بالذات هي تجسيد للمرارة الأخلاقية التي تولد التطرف والإرهاب داخل أمريكا وخارجها فأمريكا تقف في كل الأحوال إلى جوار ربيبتها إسرائيل وتدعمها بلا تحفظ على حساب الحقوق الإنسانية للشعب الفلسطيني والشعوب العربية ولسان حالها يقول للجميع "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً".
ها هي أمريكا تبادر بموقف سياسي حلو فتسحب قواتها تدريجياً من العراق فيبدو الأمر وكأن أوباما يقوم بتصحيح خطأ بوش ولكنها تضفي مرارة على ذلك حينما تعلن أنها ستسمح للشركات الأمنية الأمريكية بالحلول محل القوات الأمريكية المنسحبة وكأننا يا زيد لا رحنا ولا جينا!.

ها هي أمريكا تحلو وتمر عندما تساهم بقوة في تحقيق اتفاقية نيفاشا للسلام بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية ولكنها تعلن عن مباركتها العلنية لانفصال جنوب السودان عن شماله.
ها هي أمريكا تتخذ موقفاً سياسياً حلواً عبر الضغط على الإسرائيليين والفلسطينيين من أجل الانخراط في مفاوضات سلمية ترمي إلى تحقيق سلام الشرق الأوسط الذي ينشده معظم الإسرائيليين والفلسطينيين ولكنها تضفي أكبر مرارة على ذلك حينما تتجاهل الضغط على إسرائيل من أجل وقف الاستيطان الذي هو السبب الأساسي في تعقيد مشكلة الشرق الأوسط.

ها هي أمريكا تمزج أقصى حلاوتها بأقصى مرارتها حينما تقدم أكبر المساعدات الإنسانية لملايين المسلمين من ضحايا الفيضانات في باكستان ولكنها في ذات الوقت تقوم يومياً عبر طائرات بدون طيارين بقتل عشرات المدنيين في باكستان نفسها ولا يملك المرء إلا أن يضرب كفاً بكف إزاء هذا الحلو مر الأمريكي الذي تشتبك حلاوته مع مرارته في حلوق الجميع عند الاستماع لأي نشرة أخبار عالمية والاستمتاع بمشاهدة أي فيلم أجنبي!

المصدر: الراية القطرية 1/9/2010