أبحث داخل الموقع

الإستسلام ذل

بقلم:د . عارف الشيخ
جميل أن يبدو الإنسان مرناً مع الآخرين في التعامل معهم، يوافقهم ولا يخالفهم، يصادقهم ولا يعاديهم، يحبهم ولا يكرههم، ينفعهم ولا يضرهم .
لكن هذا لا يعني أن يتنازل عن حقه أو عن حق هو لا يملك التصرف فيه، والفقهاء يسمون مثل هذه التصرفات بتصرفات الفضولي، والفضولي هو من يتصرف في حق الغير من تلقاء نفسه من غير أن يطلب منه .

- إن الإسلام علمنا أن نبدي المرونة مع الآخرين في مكان يتقبل المرونة، وبطريقة تؤدي إلى كسب موقف أو مصلحة أكبر، كالذي في صلح الحديبية، ففي ذلك العام أحبط الصحابة كثيراً، إذ كيف يرضخ رسول الله صلى الله عليه وسلم لشروط قريش؟

- لكن قرار الرسول كان صائباً، وكانت النتيجة أن دخلوا مكة في عام الفتح منتصرين، وبذلك سجلوا للبشرية أن التنازل عن مصلحة من أجل مصلحة أكبر لا يعد استسلاماً بل نصراً .

- وما نراه اليوم في الساحة العربية يختلف عن ذاك اختلافاً كبيراً، لأن ما نبديه من مرونة يفقدنا كل يوم جزءاً من موروثات الأمة، والأمة لم تفوضنا في أن نعطي مثل هذه التنازلات باسم المرونة وحب السلام .

- إننا كأمة عربية أو إسلامية، لنا ثوابت يجب ألا نغيرها بتغير الأهواء، ولنا مبادئ وقيم يجب ألا نتنازل عنها تحت شعار حسن النية، ولنا حقوق مشتركة يجب ألا ننفرد بها باسم الحرية .

- وقد ثبت أن ما سميناه مرونة، كان ضعفاً منا وعدم قدرة على تسجيل موقف، وما سميناه حسن نية، كان تنازلاً عن حق لا يمكن التنازل عنه، وكيف نتنازل من غير مقابل؟

- إن عالمنا العربي والإسلامي يتصرف اليوم بما يشبه الانتحار أو هو الانتحار بعينه لماذا؟ لأنه يستخدم السم كعلاج، وهو يدري أن تعاطيه بهذه الكمية يقتل من غير شك .

- والاستسلام عندما يؤدي إلى ضياع حقوق، يتنافى مع قدسية الأمانة التي شرفنا الله بحملها ويعد خيانة، وكيف نخون الأمانة وقد قال الله عنا: “كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر” (الآية رقم 110 من سورة آل عمران) .

- ثم إن الذي يتعود على الخضوع للآخرين دائماً، سواء كانوا على حق أم على باطل بحجة أنه لا يريد التصادم، لا يمكن أن يتحقق على يديه أي نصر في أي يوم، واعتبره فاشلاً في حياته كلها .

- إذن لماذا الاستسلام طالما أن الانتصار أمل يراودنا؟ ولماذا التنازل عن الحقوق طالما أن الأيام اثبتت أن العدو كلما انحنيت له أكثر داسك أكثر؟ ألا ومن المعلوم أن الاستسلام للذل انتحار، فلماذا ننتحر ونحن أعزة؟

المصدر: الخليج 31/8/2010