أبحث داخل الموقع

السلام المستحيل ... في ظل الأجندة الغربية

بقلم/ د.محي الدين تيتاوي
في أحد مباني وزراة الخارجية الأمريكية توضع خارطة للسودان وبالقرب من الخارطة يوجد جدول زمني يحدد ما تبقى من أيام لإجراء الانتخابات العامة وتاريخ مكتوب يوضح موعد إجراء الاستفتاء في جنوب السودان.. فعلى الخارطة توجد أربعة ألوان تقرأ بأن السودان مقسم إلى أربعة في وقت نحن نعلم فيه أن السودان في الأصل كان مقسماً إلى تسعة أقاليم هي الخرطوم، كردفان، دارفور، الشمالية، الشرق، الجزيرة، الاستوائية، أعالي النيل، وبحر الغزال وعلى زماننا هذا جرى إعادة تقسيم هذه الأقاليم إلى خمس وعشرين ولاية عشر منها في الجنوب وخمس عشرة منها في الشمال ولكن كيف نقرأ هذه الألوان الأربعة التي وضعتها الخارجية الأمريكية على خارطة السودان؟ وكيف نفسر هذه المطاولات والمماحكات التي نعيشها مع حركات عديدة بدأت في الجنوب باسم تحرير السودان ومضت بذات الاسم وذات التوجهات في دارفور وتسعى أو يسعى فيها لامتدادات أخرى؟؟ تلك الألوان تشير هذه المرة إلى إعادة تقسيم السودان إلى اتجاهات أربعة هي جنوب، شمال، شرق وغرب..
ولا أستغرب مثل هذا السلوك من الولايات المتحدة التي تحركها الصهيونية العالمية لتخريب الحياة في بلدنا السودان، تخريب الأمن، تخريب وتمزيق النسيج الاجتماعي، وتقسيم هذه الدولة العربية الأفريقية المسلمة إلى دويلات يسهل التعامل معها متفرقة، ضعيفة، متحاربة ومتسابقة إلى أمها أمريكا لترتمي في أحضانها، كما نشاهد اليوم من المولود الأكبر الإقليم الجنوبي أو دولة جنوب السودان التي قيل إنها ولدت بأسنانها ولها كوادرها التي يجري إعدادها في أمريكا وغيرها، ولها سفاراتها وممثلياتها حسب الأدوار التي توزعها أمريكا للدول الأوروبية المتابعة لسياساتها لإعادة استعمار أفريقيا والعالم العربي، لاستكمال نهب مواردها الاقتصادية البكر كما يقولون ولا يتركون العالم يعيش كل حسب حظوظه وقسمته من الدنيا.
تم الإعداد لتنفيذ أكبر خطوة نحو قيام السودان المقسم لأربع دول يجري على خطوات ثابتة.. حيث انعقدت قمة ( لدول الإيقاد) وهي الدول التي تجمعت بمنطقة شرق أفريقيا لمعالجة قضايا التصحر ومشكلات الحياة في هذه الدول والتي أسقط على يديها قرار ((أسمته هذه الدول بمبادرة الإيقاد)) للتوصل إلى حلول لمشكلة جنوب السودان، وأسقط على يدها أيضاً قرار وقف الحرب والجلوس للتفاوض في اتفاقية موضوعة أصلاً من قبل جهات نعلمها جيداً، كانت عند بداية المفاوضات تسمي نفسها (( أصدقاء الإيقاد)) تعمل من خلف الكواليس ثم بدأت تظهر حيناً فحيناً في العلن ثم غيرت اسمها إلى(( شركاء الإيقاد)) وهم في حقيقة الأمر الإيقاد نفسها والإيقاد هي: أمريكا، بريطانيا، فرنسا، إيطاليا، النرويج ومن خلف كل تلك الدول إسرائيل.. وعقب التوقيع القسري على الاتفاق كان الناس يظنون أن السلام قد جاء فاستبشروا كثيراً وتفاءلوا أكثر.. ولكن ظهرت الأجندة الخفية مباشرة عقب الانتهاء من التوقيع وقبل أن يجف المداد بدأت الحرب في دارفور بذات مسميات حركة تحرير السودان، ورغم أن الناس في السودان صدموا بظهور هذه الحركات وبذات المسميات والأساليب في الحرق والقتل والتدمير إلا أنهم تحملوا وصبروا وصمدوا في وجه الامتحان المحزن..
لم يأت الوحي الإلهي لإدريس دبي لكي يهبط فجأة بالخرطوم ويعلن ضرورة عودة العلاقات.. ولم يأت الاتفاق الإطاري الذي أعقب عودة العلاقات رحمة بشعب دارفور أو إيماناً بكرامة مواطن دارفور أو حرصاً على تحقيق السلام وتقلد الوظائف العليا في الحكومة السودانية ولم تظهر الشروط العجيبة التي أعلنها د. خليل بمنع الحكومة أو الوسطاء في قطر من ضم الحركات المسلحة الأخرى إلى مسيرة الاتفاق بل إن كل تلك أدوار مرسومة يلعبها الكل على مسرح العرائس وهناك من يقف خلف خشبة المسرح السياسي يدير حركة تلك العرائس حتى تبلغ الأجندة أهدافها ويجلس الجميع داخل ذلك المسرح الدوار.. فيدور ويدور الكل بداخله دون أن يدري أو يشعر أحد بحركة دورانه.. وما اجتماع قوى المعارضة وهم يرشحون ويسمون مرشحيهم سواء لرئاسة الجمهورية أو المؤسسات التشريعية يجتمعون ليتدارسوا ما بعد الانتخابات، وكيف يعملون جميعاً لا لإحراز الفوز عبر انتخابات حرة وشفافة وعادلة، وإنما لإسقاط البشير الذي يسعى الغرب كله لإسقاطه بكل السبل المشروعة وغير المشروعة.. ويلتقي قادة ما يسمى بالإيقاد لتقويم مسار اتفاقية السلام.. برغم أن الأمور كلها في هذا الشأن واضحة وبنود الاتفاقية قد تحولت إلى دستور انتقالي جرى العمل بموجبه لإنفاذ كل مطلوباتها وبنودها..
في خلاصة الأمر أرى أن الاتفاق لن يكون مستحيلاً وسيتم لنبدأ جولة جديدة مع الحركات غير الموقعة. وهذه أشبه بما يعرفه أهل السودان بحجوة أم ضبيبنة أي إعادة وإعادة الإعادة لدرس معلوم وممجوج!!

المصدر: الشرق القطرية 11/3/2010